السيد محمد الكثيري
297
السلفية بين أهل السنة والإمامية
الحضارة ، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة " ( 121 ) . فلا شك أن هذه البيئة الصحراوية الجافة كان لها تأثير على نفسية الصبي ، وهذا معلوم بالضرورة فأخلاق وسلوكيات البدو الذين يعيشون في الصحاري والقفار تكون جافة غليظة ، بخلاف سكان الحواضر والبوادي الخصبة حيث الأنهار والبساتين والأشجار الكثيفة . وهذا من تأثير الطبيعة والجغرافية على الإنسان ، وهي مسلمة علمية وعرفية . وعندما هاجر الصبي من حران ، استقر به المطاف في دمشق فأكمل نشأته فيها حتى بلغ من الكبر عتيا وأهل دمشق - بالخصوص - يعرفون ببعض الجفاء والخشونة في المعاملات بخلاف أهل حلب مثلا . وربما لذلك كان للمذهب الحنبلي أتباع هناك ومدارس . المسألة الثانية : ترجع إلى المذهب الحنبلي فقد ولد الشيخ ابن تيمية في بيت المشيخة الحنبلية واستمر يرتع وينمو في أحضان هذا المذهب إلى أن تولى رئاسته . والصفة المميزة والخاصة لأتباع هذا المذهب كانت وما زالت تتمثل في الجفاء والغلظة ، وقد وصفهم ابن عقيل الحنبلي قائلا : " قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة . . . ( 122 ) . ويقول صاحب النهج الأحمد : " فقد كنا في عهد الصبا نسمع الرجل يصف رجلا آخر فإذا أراد أن ينعته بضيق الصدر والتزمت وصلابة الرأي وعدم انقياده للحديث يلقى إليه قال " أنه حنبلي " ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يذكرون هذه العبارة في مثل هذا المعرض ( 123 ) . هذا الجفاء والغلظة كانت السبب في كثير من خلافاتهم مع علماء وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى . فقد كان الحنابلة يرون أنفسهم بمنأى عن سائر
--> ( 121 ) ابن تيمية حياته عقائده ، م س ، ص 25 . ( 122 ) إسلام بلا مذاهب ، م س ، ص 431 . ( 123 ) النهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد ، مجير الدين العليمي ، ج 1 ص 21 .